حسن بن موسى القادري
288
شرح حكم الشيخ الأكبر
وهو اللّه ، وأن ينقطع عن الناس والمألوفات بالبدن ، فالأول عزلة في الحال ، والثاني عزلة في القلب ، والثالث عزلة في الجنس ، والصمت هو أن ينقطع عن الكلام مع المخلوق بالكلية إلا إذا كان الجواب فرضا فيتكلم على قدر الجواب عليه بلا زيادة ، فيقول : ما يؤدي به الفرض فقط ، ولا يحدث أيضا بما يرجو حصوله من اللّه مع نفسه ؛ لأن الحديث مع النفس والذكر معا لا يجتمعان في القلب لوجوه متعددة ، والجوع هو أن يقلل الطعام بقدر ما يقوم بصلبه في الفرض فقط دون النفل ؛ لأن النفل قاعدا لضعف حصل به من قلة الغذاء أنفع له في تحصيل المراد من اللّه تعالى وأقوّى ، وأمّا الشبغ فلا يزيده إلا البعد وعدم حصول المراد ، وهو داع إلى الفضول وهو عين الجهول ، والسهر هو أن لا ينام بالليل ولا بالنهار ما أمكن له ذلك ، ولو ينام فلا ينام على سبيل العادة بأن يفرش الفراش ويضع المخدة ويتغطى باللحاف ويمتد على الأرض ، بل ينام شيئا قليلا بلا تغطي وبلا فراش وبلا وضع الجنب على الأرض ، بل متكأ أو يجعل المخدة عالية ، والأبدال ما صاروا أبدالا إلا بهذه الأربعة وأصلها الجوع فإن الآفات الظاهرة أكثرها من الأكل وكذا الباطنة . 59 - كثير الأكل من الحلال يطمس بصائر أكثر الرجال . قال الشيخ قدّس سرّه : ( كثير الأكل من الحلال يطمس بصائر أكثر الرجال ) ( يطمس ) بضم العين وكسرها يقال : طمسته طمسا أي : محوته وطمست الشيء أي : استأصلت أثره ، ومنه فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ [ المرسلات : 8 ] أي : استأصل أثره ، ويقال : اطمس على ما له أي : أهلكه ومنه اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ [ يونس : 88 ] أي : أهلكها ، والمراد الأول ؛ لأنه المناسب للمقام والموافق للواقع ، ونفس الأمر والمعنى أن الأكل الكثير من الطعام الحلال بحسب الشرع وهو الطيب أي : اللذيذ في الدّنيا الملائم للطبع الخالص عن تبعة العذاب يوم القيامة يطمس ويمحو أو يستأصل أو يهلك بصائر أكثر الرجال ، فإن بعض هذه المعاني يجوز باعتبار المجاز فافهم وتأمل . فلا يرد ما مرّ ولو قيل : أن المراد المعني الثاني لم يبعد ، أو الثالث كذلك ولكن بالاعتبار المذكور أي : المجاز فكثرة الأكل مزيل للعقل والعقل من نور البصيرة ، والأكل الكثير